محمد متولي الشعراوي

1714

تفسير الشعراوى

قال أهل الكفر : لو استمر الأمر هكذا فسوف يتركنا هؤلاء المسلمون . . وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا الإيمان في الظاهر ، وينقلب موقفهم إذا خلوا لأنفسهم ، ويصور الحق هذا الموقف في قوله : « وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ » فما هو العض ؟ إن العضّ لغويا ، هو التقاء الفكين على شئ ليقضماه . وما الأنامل ؟ إنها أطراف الأصابع ، والأنامل فيها شئ من الدقة ، وشئ من خفة الحركة المأخوذة من خلية النمل ، ويسمون الأنامل أيضا البنان ، وعملية عض الأنامل عندما نراها نجدها عملية انفعالية قسرية . أي أن الفكر لا يرتبها ؛ فليس هناك من يرضى أن يظل مرتكبا لعملية عض أصابعه ، فعض الأصبع يسبب الألم ، لكن الامتلاء بالغيظ يدفع الإنسان إلى عض الأصابع كمسألة قسرية نتيجة اضطراب وخلل في الانفعال . ومن أين يجئ الغيظ ؟ . لقد جاء الغيظ إلى الكافرين لأنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا المؤمنين قيد شعرة عن منهج اللّه ، بل حدث ما هو العكس ، لقد حاول المؤمنون أن يجذبوا الكافرين إلى نور الإيمان ، وكان الكافرون يريدون أن يصنعوا من أنفسهم بطانة يدخلون منها إلى المؤمنين لينشروا مفاسدهم ؛ ولذلك وقعوا في الغيظ عندما لم يمكنهم المؤمنون من شئ من مرادهم . إن الإنسان يقع أحيانا فريسة للغيظ حين لا يتمكن من إعلان غضبه على خصمه ؛ ولهذا إذا أراد إنسان من أهل الإيمان أن يواجه حسد واحد من خصومه فعليه أن يزيد في فضله على هذا الإنسان ، وهنا يزداد هذا الخصم غيظا ومرارة ، أيضا نجد أن من تعاليم الإسلام أن الإنسان المؤمن لا يقابل السيئة التي يصنعها فيه آخر بسيئة ، وذلك حتى لا يرتكب الذنب نفسه ، ولكن يتبع القول المأثور : « إننا لا نكافىء من عصى اللّه فينا بأكثر من أن نطيع اللّه فيه » « 1 »

--> ( 1 ) هذا القول مسند إلى عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه عندما جاء رجل فقال له : إن لي جارا يؤذيني ويشتمني ويضيق على فقال : « اذهب فإن هو عصى اللّه فيك فأطع اللّه فيه » من كتاب « إحياء علوم الدين » للإمام الغزالي - فصل حقوق الجوار .